اعتاد الجمهور على رؤية شكران مرتجى في أدوارٍ علقت في الذاكرة، ما بين كوميديا لا تُنسى ودراما تلمس المشاعر بصدق. لكن بعيداً عن الكاميرا، هناك امرأةٌ حقيقية توازن بذكاء بين متطلّبات النجومية وخصوصية حياتها. تطلّ علينا شكران مرتجى في هذا العدد بإطلالات تعكس تحولاً لافتاً في أسلوبها، وذلك في جلسة تصوير خاصة أجريناها معها لتسلّط الضوء على جانبٍ جديد ومتجدّد من شخصيتها. وفي حوارنا الصريح معها، نبتعد عن الأدوار لنقترب أكثر من شكران مرتجى الإنسانة. تحدّثنا معها عن رحلة فنّية تجاوزت الـ 170 عملاً، وعن نظرتها المختلفة للجمال. كما كشفت لنا كيف تعبّر أزياؤها عن حالتها النفسية، وسرّ قدرتها على الاحتفاظ بهدوئها وتوازنها وسط صخب الأضواء. ندعوكنّ للاستمتاع بهذا الحوار المصوّر، لنكتشف معاً كيف تحافظ شكران مرتجى على شغفها، ولماذا تؤمن بأن “الأثر” الذي نتركه هو العملة الحقيقية لأي نجم.
الحوار والإنتاج: Amani Danhach
الإخراج الإبداعي: Fatma Racha Shehadeh
التصوير: Homere Semaan
التنسيق: Rim Choucair
الشعر: Ibrahim Shamseen
المكياج: Sohaib Shamseen
الموقع: Via Mina Hotel
تحتفي مجلة ماري كلير العربية بالمرأة القوية، المتجدّدة والأنيقة. عندما تنظر شكران مرتجى في المرآة اليوم، كيف تُعرّف قوتها وجمالها؟ وكيف اختلف هذا التعريف مقارنة ببداياتكِ الفنية؟
عندما أنظر إلى نفسي اليوم أرى امرأة قوية ومتجددة وأنيقة، لكن هذه القوة لم تولد بين ليلة وضحاها. هي حصيلة رحلة طويلة من التجارب الفنّية والإنسانية، ومن أكثر من ثلاثة عقود في العمل والفنّ والتعلّم والسفر والاحتكاك بالناس. ربما كانت بذرة القوة موجودة بداخلي منذ الصغر، لكنّها اليوم أصبحت أكثر نضجاً ووضوحاً، وأصبحت أعرف متى أوظّفها وفي أي مكان.
مفهوم القوة تغيّر كثيراً بالنسبة لي. في الماضي كنت أظن أنّ القوة تكمن في الكلام والمواجهة، أمّا اليوم فأؤمن أنّ الصمت أحياناً هو أقوى أشكال القوة. كما أنّ النجاح ومحبّة الناس منحاني قوّة إضافية وثقة كبيرة. أمّا الجمال، فلم يكن يوماً هاجساً بالنسبة لي. لم أعتبر نفسي جميلة بالمعنى التقليدي ولا العكس، بل كنت أشعر دائماً أنّني امرأة مختلفة ومميزة. واليوم أصبح الجمال بالنسبة لي أن أعكس ما بداخلي إلى الخارج، وأن أُظهر الجانب الذي ربما لم يره الناس من خلال الشخصيات التي قدّمتها على الشاشة.
في بداياتكِ، كان قطاع الإنتاج أحياناً يضع الممثّلات في قوالب وشروط جمالية معيّنة، لكنّكِ فرضتِ نفسكِ بموهبتكِ وحضوركِ الطاغي وكسرتِ هذه القيود. ما هي رسالتكِ اليوم للمرأة التي تحاول إيجاد “جمالها الخاص”؟
لن أقدّم شعارات مثالية، لأنّني مثل أي شخص تأثّرت بمواقع التواصل الاجتماعي وبالفلاتر وبالمعايير المنتشرة اليوم، لكنّ الفرق أنّ هذا التأثّر كان مؤقتاً. ما تعلّمته هو أنّ التأثّر ليس مشكلة، بل المشكلة تبدأ عندما يتحوّل إلى تقليد. أنصح كلّ امرأة أن تستلهم من الآخرين، لكن أن تبحث في النهاية عمّا يشبهها هي. قد تعجبكِ تسريحة شعر أو طريقة لباس أو أسلوب معيّن، لكن المهم أن تجدي ما يناسب شخصيتكِ وحياتكِ وظروفكِ الخاصة. الجمال الحقيقي ليس في ملاحقة العلامات التجارية أو المعايير المصطنعة، بل في أن تكوني النسخة الأصلية من نفسكِ. دائماً أقول: كوني كالعطر الأصلي، تكفي منه لمسة صغيرة ليترك أثراً طويلاً، لا كالعطر المقلّد الذي يحتاج الكثير ليُلاحظ ثم يختفي أثره سريعاً.

مجوهرات من Selim Mouzannar
كيف تعبّرين من خلال أزيائكِ عن حالتكِ النفسية وفلسفتكِ في الحياة؟ وما هي القطعة التي تمنحكِ ثقة فورية بمجرّد ارتدائها؟
صحيح أنّ إطلالاتي شهدت تحولاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد مسلسل “لعبة حب”، لكنّني في جوهري شخصية كلاسيكية جداً. أحبّ الأناقة الهادئة والقطع المريحة والخالدة أكثر من الصيحات العابرة.
أعبّر عن حالتي النفسية من خلال ما أرتديه. عندما أكون مرتاحة أشعر أنّ ذلك ينعكس مباشرة على اختياراتي. أميل كثيراً إلى الألوان الداكنة كالأسود والبنّي والبيج والبرغندي، وأحبّ الملابس الواسعة لأنّها تمنحني حرية الحركة والشعور بالراحة.
أمّا القطعة التي تمنحني الثقة، فلا أستطيع حصرها بقطعة واحدة، لأنّني أختار كلّ ما في خزانتي بعناية. لكن إذا كان هناك عنصر أعتبره أساسياً في أي إطلالة فهو الحذاء، لأنّه بالنسبة لي القطعة التي تحدّد طابع الإطلالة بالكامل.

مجوهرات من Selim Mouzannar
من الكوميديا التي لا تُنسى مثل “أمل” إلى أدواركِ الأخيرة في أعمال عربية ناجحة آخرها “اليتيم”، تملكين قدرة نادرة على إضحاك الجمهور وإبكائه بذات الصدق. أيّ الجانبين تشعرين أنّه يلمس روح شكران مرتجى الإنسانية أكثر في هذه المرحلة من حياتكِ؟
أحبّ الكوميديا وأحبّ الدراما بالقدر نفسه، لكنّني أشعر أنّ الدراما أقرب إلى روحي في هذه المرحلة من حياتي. ربما لأنّها ترتبط بالذاكرة وبالتجارب الإنسانية التي عشناها وتأثّرنا بها. عندما أؤدي مشهداً درامياً أستحضر أشخاصاً وأحداثاً ومواقف مررت بها أو شاهدتها في حياتي، لذلك أشعر بصدق كبير تجاه هذا النوع من الأدوار. ومع ذلك أشتاق كثيراً للكوميديا، لأن إسعاد الناس ومنحهم لحظة ضحك جميلة هو شعور لا يُقدّر بثمن. في النهاية أنا صادقة في النوعين، لأن شكران موجودة في الكوميديا كما هي موجودة في الدراما، لكن ربما أميل أكثر إلى الدراما لأن الحياة نفسها تحمل الكثير من التراجيديا أكثر ممّا تحمل من الكوميديا.

مجوهرات من Selim Mouzannar
تغيّرت خارطة الدراما العربية كثيراً مع المنصات الرقمية والأعمال المقتبسة (المُعرّبة). كيف ترين تأثير هذا التغيير على الفرص المتاحة للنجمات المخضرمات؟ وهل تنصف هذه الأعمال موهبة الفنّان العربي؟
الأعمال المقتبسة أو المعرّبة ليست جديدة على الدراما العربية، لكنّها اليوم أصبحت أكثر وضوحاً وانتشاراً. برأيي العمل الجيد يفرض نفسه سواء كان مقتبساً أو معرّباً أو مكتوباً من الصفر.
أمّا بالنسبة للنجمات المخضرمات، فما زلنا نعاني من مشكلة حصر المرأة بعد سنّ معينة في أدوار الأم أو الحماة أو الشخصيات الثانوية، بينما هناك الكثير من القصص الإنسانية التي يمكن أن تُروى من خلال نساء ناضجات. للأسف هذه التجارب لا تزال قليلة جداً في الدراما العربية.
أمّا إذا كانت هذه الأعمال قد أنصفت بعض الفنّانين؟ نعم، بالتأكيد أنصفت البعض وقدّمتهم إلى جمهور أوسع، لكنّ التحدي الحقيقي ليس الوصول، بل الاستمرار والمحافظة على هذه المكانة.
برصيد فنّي غنيّ يتجاوز الـ 170 عملاً، أصبحتِ ملهمة لجيل كامل من الممثلات الصاعدات. ما هو الدرس الأهم الذي تحرصين دائماً على نقله لهنّ حول كيفية الحفاظ على الشغف والتواضع في هذا الوسط المليء بالأضواء؟
مع الوقت اكتشفت أن كل شخص يتعلم من تجربته الخاصة أكثر من أي نصيحة يسمعها. لكن إذا كان عليّ اختصار الأمر بكلمتين فهما: الشغف والتواضع. يجب أن يبقى الشغف حاضراً كما لو أننا ما زلنا في البدايات، وأن يبقى التواضع رفيقنا مهما حقّقنا من نجاحات. بعد كلّ عمل ناجح أتعامل مع نفسي وكأنني أبدأ من جديد. لا أعيش على نجاحاتي السابقة، بل أفكّر دائماً في الخطوة التالية وفي الشخصية القادمة. ربما السر الذي جعلني أستمرّ حتى اليوم هو أنني ما زلت أتعامل مع الفنّ كأنه هواية أحبّها، لا كمهنة اعتدت عليها.

مجوهرات من Selim Mouzannar
تفرض النجومية عليكِ مشاركة جزء كبير من حياتكِ مع الملايين. أين تضع شكران مرتجى الحدّ الفاصل بين “النجمة” المتاحة للجميع، وبين “المرأة” التي تحتاج العزلة، الهدوء، والسلام الداخلي؟
أصبحت أكثر حرصاً على هذا الفصل خلال السنوات الأخيرة. الجمهور يعرف عنّي ما أريد له أن يعرفه فقط، أمّا حياتي الخاصّة فأعتبرها ملكاً لي. دائماً أقول إن الضيف عندما يزور منزلك لا تدخله مباشرة إلى غرفة نومك، بل تستقبله في المساحات التي تختارينها أنتِ. الأمر نفسه ينطبق على حياتي الشخصية. الخصوصية بالنسبة لي ضرورة وليست رفاهية. العزلة والهدوء والسلام الداخلي مفاتيحها بيدي وحدي، وأنا من أقرّر متى أظهر ومتى أختفي، وماذا أشارك وماذا أحتفظ به لنفسي.
عندما ترغبين في الهروب من صخب العالم والضغوطات لمدّة ساعة واحدة فقط، أين تذهبين أو ماذا تفعلين؟
أحبّ أن أقود سيارتي وأتجوّل في دمشق أو أزور الأماكن التي أحبّها وتحمل ذكريات طفولتي وصباي. وفي أحيان كثيرة أجد راحتي في المنزل، في غرفتي، أمام التلفزيون الذي ما زلت من عشّاقه حتى اليوم. كما أستمتع كثيراً بالأشياء البسيطة جداً؛ زيارة الجيران، الحديث مع الناس في الشارع، التجوّل في الأسواق ومراقبة الحياة من حولي. أحبّ أن أعيش حياتي بشكل طبيعي وبسيط، بعيداً عن أيّ إحساس بالنجومية أو الانفصال عن الناس.

مجوهرات من Selim Mouzannar
إذا أتيحت لكِ الفرصة لتوجيه نصيحة أو حكمة واحدة لكلّ امرأة تقرأ مجلة ماري كلير العربية الآن، فماذا تقولين لها؟
تأثّري بمن حولكِ، لكن اختاري جيداً بمن تتأثرين، واستلهمي دون أن تفقدي شخصيتكِ الخاصة. لا تحاولي أن تكوني نسخة من أحد. كوني ملهمة للآخرين، واتركي أثراً جميلاً أينما ذهبتِ. وأتمنى لكلّ امرأة أن تكون كالعطر الأصيل؛ قد يكون هادئاً وغير صاخب، لكنّه يبقى في الذاكرة طويلاً. فالقيمة الحقيقية ليست في الضجيج الذي نصنعه، بل في الأثر الذي نتركه خلفنا.









