ما الجامع بين عادات عيد الفطر المختلفة حول العالم؟

من منّا عندما كان صغيراً لم يكن ينتظر العيديّة صباح عيد الفطر أو يشتري ثياباً جديدة ليستقبل بها أوّل أيّامه ويذهب باكراً للصلاة ثمّ يزور الأقارب للمباركة لهم بحلول العيد؟ فهذا العيد الذي يُتوّج شهر رمضان المبارك ويُحتفل به على مدى ثلاثة أيّام يُشكّل مناسبة فرح وانسجام بين الناس حول العالم.

يحتفل العالم الإسلاميّ كلّ عام في الأوّل من شهر شوّال بحلول عيد الفطر السعيد وقد سُميَّ كذلك تيمّناً بانتهاء شهر الصوم والعبادة. ويرمزهذا العيد إلى الرحمة والعطاء والتجدّد حيث يتقارب الناس من بعضهم البعض، فيُشكّل فرصة لهم للمصالحة والترفّع عن خلافاتهم. كذلك يُحضّرون المأكولات الدسمة والحلويات الشهيّة ويشترون الهدايا لبعضهم البعض ويتصدّقون بالزكاة على المحتاجين لإعانتهم ودعمهم. فكما تتزيّن الطرقات، تتزيّن قلوب المحتفلين بهذا العيد، فمهما اختلفت مظاهراستقبال العيد إلاّ أنّها عزيزة على قلب كلّ مسلم، بحيث تكون مناسبة تجمع العائلة بعد أن تكون قد فرّقتها انشغالات الحياة اليوميّة. فإذا كان كلّ العالم يُجمع على هذه العادات الأساسيّة التي يتشارك بها المسلمون كما على رمزيّة هذا العيد وأهميّته، إلاّ أنّ عادات الإحتفال به يمكن أن تختلف من بلد إلى آخر أو من ثقافة إلى أخرى.

سنعرض فيما يلي بعض العادات الخاصّة التي تلجأ إليها بعض البلدان. وعلى الرغم من اختلافها إلاّ أنّ ما يجمعها هو الدور الأساسي الذي تلعبه المرأة في إعطاء العيد بهجته بما أنّها نواة العائلة ومُحرّكها الرئيس. فتتميّزالمرأة باهتمامها بأسرتها وبحرصها على متابعة أدقّ التفاصيل التي تساعد على جعل هذا العيد مناسبة سعيدة. و سنعرض لك هذه العادات بعد أن قسّمناها بحسب اندراجها في رمزيّة هذا العيد، فنرى بالتّالي كيف تقوم كلّ ثقافة بمقاربة هذا العيد بطريقة مختلفة.

اقرئي أيضاً: وهل أهمّ من العطاء في عيد الفطر؟

التقرّب من الآخر والمسامحة

في لبنان تهُمّ العائلات في أوّل يوم من أيّام عيد الفطر بزيارة موتاها في المقابر العائليّة للصلاة على راحة نفسهم وتنظيف وتجديد المساحة المخصّصة لهم كتكريم في بداية هذا النهار الذي ستتخلّله البهجة. وما أجمل من أن يبقى الإنسان وفيّاً لموتاه حتى يستذكرهم في هذا اليوم المميّز؟ وتجري العادة بعدها بزيارة النساء الأكبر سنّاً في العائلة ومن ثمّ الأقارب، وذلك للأهميّة التي تُعيرها التقاليد لدورالمرأة والأمّ على وجه الخصوص في جمع رباط العائلة. أمّا في السعوديّة، فثمّة عادة قديمة منتشرة في بعض الأسر وهي استئجار مساحة موحّدة تجمع العائلة بأكملها من الأكبر إلى الأصغر سنّاً لعقد جلسة عائليّة موسّعة تقام فيها الولائم ويتقرّب فيها الأولاد من بعضهم البعض. ويكون للنساء دور أساسيّ فيها لجهة التنظيم والحرص على تأمين الوئام بين الجميع. إلاّ أنّ قسم آخر من المحتفلين بالعيد يفضّل البقاء في المنزل لتلقي الزيارات ومن ثمّ القيام بها. ومن قلب السعوديّة ننتقل إلى جنوبها وتحديداً اليمن، حيث يجتمع المسلمون في مجالس طيلة أيّام العيد، لتبادل الحكايات المختلفة. وللعيديّة في الإمارات نكهة خاصّة حيث يتوجّه المسلمون قبل أيّام من العيد إلى البنوك لسحب الأوراق النقديّة الجديدة وإعطائها للأطفال. فيتجمّع الأولاد ويذهبون للجيران سويّةً لتحصيل العيديّة. وتكون الأولويّة لزيارة العائلة والأقارب في أوّل أيّام العيد. أمّا في اليوم الثاني، فيتمّ الإنتقال إلى الإمارات البعيدة لزيارة الأصدقاء.

وبالإنتقال نحو السودان، يتوافد المحتفلون بالعيد إلى منزل أحد كبار السّن لينطلقوا من هناك نحو زيارات المباركة التي تبدأ عند المرضى وكبار السّن. وتُخصّص فترة ما بعد الظهر لقضاء الأوقات العائليّة الممتعة. وبعيداً عن عالمنا العربي، في اندونيسيا مثلاً يقوم المسلمون المقيمون في المدن بطقس معيّن يُسمّى بـ"Mudik" حيث يُسافرون إلى مسقط رأسهم لزيارة أهلهم والكبار في السّن والوقوف عند خاطرهم وتوطيد علاقتهم بهم من جديد بعد الإبتعاد عنهم بسبب العمل أو الدراسة. ويتشارك الماليزيون أيضاً مع جيرانهم الإندونيسييّن هذه العادة، حيث يعتبرهذا العيد محطّة عامّة لإلتقاء الشعب من كلّ أطيافه.

اقرئي أيضاً: مجموعة العيد من المصمّمة الإماراتيّة Shatha Essa

العطاء والاجتماع حول الأطباق التقليديّة

إذا كان الإلتفاف حول مائدة الطعام من الأمور الأساسيّة والبديهيّة في عيد الفطرالسعيد، فكلّ ثقافة تتميّز بتحضير مأكولات وحلويات معيّنة. إذ تشتهر النساء السعوديّات مثلاً بإعداد أطباق معيّنة مثل"الكبسة" الغنيّة عن التعريف و"الكليجة". أمّا في اليمن، فيُعدّ طبق "السَّلتة" وهو أكلة شعبيّة يمنيّة مصنوعة من الحلبة والمرق كمكوّنات رئيسة من الأساسيّات في العيد. ويقوم أهل القرى اليمنيّة بنحر الذبائح، ومشاركة لحومها مع الجيران والأصدقاء. كذلك في خليجنا العربي، تتميّز النساء الإماراتيّات بتحضير"الهريس" وحلوى "اللقيمات" لهذه المناسبة. ويُعرنَ اهتماماً كبيراً لوجبة الإفطار الأولى بعد صلاة العيد التي تحتوي على أطباق شعبيّة لا تُعدّ خلال شهر رمضان المبارك مثل "البلاليط" التي تحتوي على الشعيرية والسّكر والبيض كما تشتهر المجالس الإماراتيّة باستقبال الضيوف بالتمر والقهوة والشاي والفواكه الطازجة. بالإضافة إلى إرسالهنّ الفطرة لإعانة الفقراء. أمّا في لبنان، فالمعمول المحشي إمّا بالتمر أوالجوز أو الفستق هو سيّد الضيافة.وعلى الحدود الجنوبيّة اللبنانيّة، تتميّز النساء الفلسطينيّات بتحضير حلوى "سنونك" و"النّقوع" و"المدلوقة". أمّا في مصر، فتشتهر النساء بخبز كعك مخصّص للعيد في المنزل يتبادلنَه عند الزيارة ويتشارَكن بالتالي هذه الحلوى المصنوعة بكلّ حبّ وشغف. ونزولاً نحو السودان، تُعدّ "الغريبة" من الحلويات الأساسيّة التي تُشارَك مع الضيوف عند استقبالهم. أمّا صعوداً نحو المغرب العربي، فتتبادل النساء فيما بينهنّ وجبات "الشهيوات" والحلويات التقليديّة مثل "كعب الغزال" ليلة العيد أو في أوّل أيّامه. أمّا بالإتّجاه نحو حضارات مختلفة عن حضارتنا العربيّة، فتُعدّ النساء في إندونيسيا طبق الـ"Opor Ayam" المكوّن من الدجاج وحليب جوز الهند لتجتمع حوله العائلة. أمّا في ماليزيا، فتُقيم الحكومة موائد طعام عامّة يحضُرها الجميع للاحتفال بالعيد.

اقرئي أيضاً: Soufra احتفال بشجاعة المرأة وبروح مبادرتها

الترفيه والبهجة

لا يقتصر عيد الفطر على معايدة الأقارب والأصدقاء والإلتقاء بهم والإجتماع حول الطعام اللذيذ فحسب، إنّما يُشكّل مناسبة للمرح واللهو والبهجة والإبتعاد عن روتين الحياة اليوميّة. ففي معظم البلدان المحتفِلة بالعيد، تزدحم الحدائق العامّة والمنتزهات أوّل أيّام عيد الفطر حتّى آخره بالعائلات والأطفال الذين يستمتعون به على طريقتهم. ففي الإمارات مثلاً، تضع النساء والبنات الحناء على أيديهنّ، ويتزيّن أيضاً الرجال بالثياب الجديدة ويؤدّون الرقصات الشعبيّة مثل رقصة الـRafza احتفالاً بالعيد. وتشتهر إمارة دبي بالأنشطة والفعاليّات التي تُنظّمها لتأمين ترفيه العائلات بأبهى الطرق الممكنة كعروض الليزر وألعاب ترفيهيّة وفعاليّات تراثيّة تروّج العادات والتقاليد. وتشتهر إمارتيْ الفجيرة ورأس الخيمة بالمنتجعات التي تُقدّم برامج مخصّصة للعائلات التي تريد قضاء أوقات ممتعة سويّةً. أمّا في اليمن يجمع الصغار والكبار الحطب ويضعونه في أكوام عالية، ليتمّ حرقها ليلة العيد ويتجمّعون في إحدى الساحات العامة لآداء الرقصات الشعبيّة والدبكات، للتعبير عن فرحتهم. وبالتوجّه من الخليج العربي إلى البلدان الشرق أوسطيّة، ففي لبنان مثلاً تنظّم لجان المناطق في أماكن مختلفة مهراجانات للأطفال تتخلّلها ألعاب ناريّة. أمّا في فلسطين، فيُؤدّي الأطفال أغانٍ تقليديّة متنوّعة الألحان والقوافي. وفي تركيا يُنظَّم في الشوارع العامّة عروض للدمى يستمتع بها الأطفال والكبار. أمّا بالإنتقال إلى مصر، فبعد أداء صلاة العيد والتهنئة، يكون للأطفال حصّة كبيرة في الإحتفال فيتوجّهون إلى الملاهي عبر الساحات المزيّنة بالألوان والأضواء.

تتجلّى في هذا العيد السعيد قيم إنسانيّة كثيرة، وليست هذه العادات المختلفة إلاّ تعبيراً عن جماليّتها والأهميّة التي توليها للعلاقات الإنسانيّة الصادقة والحقيقيّة.

اقرئي أيضاً: عندما ترتقي المرأة بالساحة الفنّيّة في الخليج العربي

اكتب الكلمات الرئيسية في البحث