رحلة في عالم صانعي الروائح الفريدة

2 سبتمبر 2025 إعداد: سارة رشيد

بين أنف Jacques Cavallier Belletrud الحالم وحدس Delphine Jelk الحاد، يبدأ اليوم برشّة إلهام وينتهي بنفحة سحر. في عالم لا يُقاس بالوقت، بل بالروائح، كل لحظة هي تركيبة تنتظر أن تولد.

يوم في حياة Jacques Cavallier Belletrud…

كيميائي الضوء

في عالم Jacques Cavallier Belletrud، صناعة العطور ليست مجرّد حرفة بل فعل تواصل-مع الطبيعة، مع الزمن، ومع الروح. كلّ عطر هو جسر بين الضوء والذاكرة، وأغنية مؤلّفة من عبير.

عند انبلاج الفجر في Grasse، حين لا يزال معظم العالم غارقًا في سباته، يستيقظ Jacques Cavallier Belletrud، صانع العطور الرسمي لدار Louis Vuitton، ليس على وقع الصوت، بل على رائحة عطر. يبدأ يومه لا بالحركة، بل بالإستنشاق. تمتدّ يده بتلقائية نحو الشرائط الورقية الموضوعة بجانب سريره في الليلة السابقة-أجزاءً من أحلامه العطرية. يستنشق تطوّر النوتات، ويعيد الاتصال بعالمه الخفي والحميم كصانع عطور متمرّس.

وقبل أن يحتسي قهوته الأولى، يخطو إلى الضوء الباكر، سواء تسلل عبر أشجار الحديقة في منزله العائلي، أو انعكس على أفق مدينة بعيدة يراها من نافذة فندق. تلك اللحظة الأولى مع الطبيعة سواء كانت خضراء أو حضرية ليست ترفًا، بل ضرورة. ففي هذا السكون المعلّق، تبدأ مخيلته بالاستيقاظ، وتنهض ذكريات الروائح، ويصبح الصمت أرضًا


خصبة للخلق. مع حلول الساعة 8:30 صباحًا، تدبّ الحياة في مشغله في Grasse. الهواء هادئ لكنه مشحون، وتبدأ طقوس المراجعة. كل تركيبة يُعاد استنشاقها من جديد وتُقيّم بنقاء، بلا أي ارتباط عاطفي. تُختبر بعض العينات بشكل أعمى، للحفاظ على حدة الحواس وتواضع الذات. وفي وسط هذا الرقص الجزيئي، هناك حوار خاص مع ابنته، التي ورثت عنه حب العطور. يتبادلان الآراء، يتحديان الأفكار، ويبنيان معًا جسرًا
بين الأجيال.

بعد الظهر هو وقت التحوّل. هنا، تُعاد صياغة التركيبات وتُترجم الأحلام. يتواصل مع فريقه في باريس ليضمن أنّ كل نوتة تنسجم مع الرؤية الأشمل. لكن الساعات لا تُقضى دائمًا في المختبر. في يومٍ ما، قد يتجوّل بين حقول الياسمين المتفتّحة، وفي آخر، يزور مصنع تقطير محلي يتقن استخراج الزيت. أحيانًا، تكون هناك محطة في Nice أو Cannes لعشاءٍ يضفي دفئًا متوسطيًا على يومه الدقيق.

ودائمًا، أينما كان-في شوارع باريس، أو زحام Shanghai، أو ضباب London الشاعري-هو يستنشق، ويصغي. فالإبداع بالنسبة لـ Jacques Cavallier Belletrud ليس انتظارًا للوحي، بل فضول دائم، وإنصات لإيقاع الحياة وترجمته إلى ما هو خالد.

في الآونة الأخيرة، أصبحت زهرة Honeysuckle تلاحقه-زهرة ناعمة تراوغ الأنف بجمالها العابر، ثم تتلاشى كالحلم. ورغم رقّتها، فإنها تأبى أن تُحتجز. وهذه المقاومة بالذات، تلهبه. "كأن الزهرة تلعب الغميضة،" يقول، "مراوغة، لكنها مملوءة بالنور."

ذلك النور الذهبي بعينه سُكِب في زجاجة Sun Song، إبداعه الجديد ضمن مجموعة Cologne Perfumes من Louis Vuitton. ورغم أنه مستوحى من دفء كاليفورنيا، إلا أنّ روحه متجذّرة في طفولته حيث كان نور Grasse يتراقص بين البحر والجبل. زهر البرتقال، والليمون، والمسك الناعم تجتمع كأنها لحن صيفي بلا هموم. شعاع شمس يُرتدى على البشرة. ذكرى تولد من جديد.

وعلى عكس الكثير من الفنانين الذين يحتاجون طقوسًا للإبداع، يقوده Jacques Cavallier Belletrud بالإحساس وحده. لا يعتمد على الشاي، أو الموسيقى، أو روتين محدد، بل على يقظة داخلية تجاه العاطفة، والحركة، والتواصل الإنساني. وعندما يحين وقت الخلق، ينغمس في شرنقة من التركيز مع فريقه حيث تتحوّل المشاعر إلى عطور.

حتى في تفاصيل الحياة اليومية، ما زال العطر يفاجئه. زهرة Osmanthus، التي شمّها لأول مرة في الرابعة عشرة من عمره في مختبر والده، لا تزال تكشف عن أسرارها. "رائحتها كجلد الخوخ، وقطيفة المشمش، وحتى الكشمش الأسود"، يقول لنا. وخلال زيارة إلى الصين، شهد لحظة قطافها-لحظة قصيرة ومكثفة، ذكّرته بأنّ المألوف، حين يُرى بعين جديدة، يمكن أن يصبح اكتشافًا.

ورغم أنّ العطور تحيط به، يبقى Jacques دقيقًا في اختياراته. لا يتعطر في الصباح فأنفه يجب أن يبقى محايدًا. لكن بعد الغداء، يختار شيئًا شخصيًا. غالبًا ما يضع Pur Ambre عنبر كثيف وحسي يجعله يشعر بالقوة ويرش فوقه Pur Santal بسخاء. "حين أحب شيئًا"، يقول ضاحكًا، "أكون مفرطًا قليلًا."

ويختتم يومه بتطوّر. فاختبار كيف يعيش العطر خارج المختبر أمر أساسي. زوجته أو بناته يصبحن سفيرات للعطر، يضعن التركيبات أثناء أنشطتهن اليومية. وقد يكون تعليق عابر في السوق، أو فضول صديق في عشاء، هو الدليل الذي لا يمكن للمختبر أن يقدّمه: أنّ العطر، في أفضل حالاته، يوقظ المشاعر، ويحرّك الذكريات، ويترك أثرًا غير مرئي لشيء إنساني عميق.

 

يومٌ مع Delphine Jelk..

حين تبدأ العطور من صفحة بيضاء

يبدأ يومها لا برشة عطر، بل بصمت تام. يومٌ مع Delphine Jelk لا يُقاس بالساعات، بل هو رقصة بين الدقة والشعر، بين الذكرى والرغبة، بين المواد الخام والروح التي توقظها. في عالمها، العطر أكثر من مجرّد جمال إنه قصة تُروى وتُرتدى.

بحلول الوقت الذي تصل فيه Delphine Jelk، صانعة العطور الرئيسة لدى دار Guerlain، إلى مختبرها في الصباح، تكون عملية الابتكار قد بدأت بالفعل. التركيبات التي وضعتها في الليلة السابقة تكون بين أيدي التقنيين في المختبر، يُعدّونها بعناية ليُعيدوا إلى الحياة ما خطّته أناملها. هو إيقاع هادئ أتقنته على مرّ السنوات: الإبداع تحت ضوء القمر، والتنقيح في وضح النهار.

صباحها يبدأ باتّزان. أولاً الاجتماعات غالباً مع فريق التوريد، حرّاس المواد الخام النادرة. هذه الأحاديث، التي تدور حول مصدر زهرة معيّنة أو نوع من الراتنج أو الخشب، هي اللحظات التي تكتسب فيها الإلهامات بُعداً حسّياً. بعد ذلك، تأتي لحظة التقييم، وهي طقس مقدّس لا بد أن يتمّ قبل الغداء، عندما تكون الحواس في أوج صفائها، وقليلاً من الجوع يوقظ الأنف لاستقبال أدقّ الروائح.

الغداء ليس استراحة، بل امتداد لمسار الإبداع. غالباً ما تتناول وجبتها على مكتبها، وهي تبحر في مصادر إلهام جديدة: صورة، قصيدة، أو مقال عن نبات غريب. وإن سمح الوقت، تخرج لاستكشاف معرض فني، أو متجر صغير، أو ببساطة لترك لحظة عشوائية في المدينة تفاجئها. كثيراً ما تثمر هذه التجوالات عن أفكار عطريّة غير متوقّعة.

لكن في فترة ما بعد الظهيرة، تزهر عمليتها الإبداعية بكلّ تفاصيلها. في هذا الوقت الهادئ، تعود إلى طقسها الأثيري: الصفحة البيضاء. تقول لي: "أبدأ دائماً بدفتري. أكتب المسودة الأولى للتركيبة، وأمنحها اسماً، وأدوّن بعض المواد الخام… هكذا تبدأ القصة. هي عاطفة تتحول إلى حكاية، وحكاية تتحول إلى عطر."

وفي حديثنا، تلمع عيناها وهي تتحدث عن إلهاماتها الأخيرة: نغمة خشبية دافئة من vetiver ذي الأوراق الخضراء الطرية، استوحت منها توليفة استوائية غنّاء ومتضادة. وهناك مستخلص البندق الذي استوقفها أخيراً بدفئه وراحته. حتى "رائحة السماء" كانت من بين صورها العطرية. أما مستخلص الخيار الذي استخدمته في Rosa Verde ودمجته مع الورد، فقد ترك أثراً طويلاً لديها. تضيف: "حتى مستخلص الفطر فاجأني برائحته المجازية ونغمته المالحة… كانت مفاجأة ممتعة."

بالنسبة لـ Delphine Jelk، فإن ذروة الإبداع غالباً ما تأتي ليلاً. حين يغادر الجميع ويعمّ الصمت، يصبح عقلها أكثر انفتاحاً. "في هذا الوقت أستطيع فعلاً أن أغوص في عالمي. حتى السفر أو الابتعاد التام عن المكاتب هذه اللحظات من الانفصال تلهمني. أحمل دائماً دفاتري الصغيرة معي. إنها مليئة بالبدايات."

وحين سألتها عما ترتديه من عطر خلال يوم العمل، ابتسمت: "لا أضع شيئاً. أفضّل أن أبقى محايدة لأدع المواد تعبّر عن نفسها. لكن في المساء، أضع أجمل ما صنعت خلال اليوم. أحبّ أن أشعر به على بشرتي، كيف يتحرّك، كيف يهمس في الهواء."

هي لا تنصت فقط بأنفها، بل بكامل كيانها. "عندما يقول لي أحدهم: أنتِ تفوحين برائحة جميلة، وليس فقط هذا العطر جميل، عندها أعلم أنني اقتربت من النجاح. التواصل العاطفي، رد الفعل هذا هو
النجاح الحقيقي."

أسرار وتقنيات المكياج من ريهام خليفة، أروج حسين ومروة شاهين لتحويل الاتجاهات العالمية إلى إطلالات فريدة

آخر الأخبار

قد يعجبك أيضاً